عماد الدين خليل

82

دراسة في السيرة

المسلمين للانتماء إلى الدين الجديد أو إلى أية عقيدة أو دين ، أمر يرفضه واقع ( التجربة ) في أبعادها الشاملة الرحيبة ، فلم يكن البحث عن ( الحق ) والتشبث في الانتماء إليه ، أمر معدة تبحث عن طعامها وجسد يرنو إلى الإشباع ، بقدر ما هي مسألة نفسية متكاملة يلعب فيها الظمأ الروحي واليقين الفكري والقناعة الذاتية دورها الأول والأخير ، بحيث أن سائر الأمور الآخرى الحسّية والجسدية بقيت ( ثانوية ) بالنسبة لهذه العوامل الأساسية . هذا على المستوى النفسي ، أما على المستوى التاريخي ، فإن هذا المقياس ( المادي ) الذي أخذ يشيع في العقود الأخيرة ، كإسقاط معاصر على الوقائع التاريخية الماضية ، سرعان ما يتهافت بمجرد إلقاء نظرة متأنية على قوائم المسلمين الأول الذين كان أكثرهم - كما يقول صالح العلي - من التجار ورجال الطبقة الوسطى ، وممن كانت لهم عشائر تحميهم وتدفع عنهم ، بل حتى وجود الحلفاء والمستضعفين في الإسلام ، لا ينهض دليلا على صحة هذا الرأي . إذ أن هؤلاء نالوا كثيرا من الاضطهاد بسبب عقائدهم ، ومنّوا بكثير من الآمال إذا تركوه ، فرفضوا وأصرّوا على التمسك بالدين الجديد ، مما يدل على أن دافع العقيدة هو الذي كان يدفعهم إلى اعتناق الإسلام . والواقع أن الروايات أشارت صراحة إلى دوافع بعضهم ، فعثمان بن مظعون كان من قبل ظهور الإسلام من الباحثين عن الدين ، وسعيد بن زيد بن عمرو وهو ابن الرجل الذي كان حنيفيا يبحث عن دين إبراهيم ، وخالد بن سعيد بن العاص اعتنق الإسلام لأنه رأى نفسه في المنام على حافة هاوية من النار يدفعه إليها أبوه ، ويدفعه عنها رجل آخر لينقذه منها ، ويمكن تفسير ذلك بانشغال عقله الباطن في الأمور الدينية واعتناقه الإسلام لاعتقاده بأن فيه المنجى والمخلص ، أما عمر بن الخطاب الذي أسلم بعد هذه الفترة فقد أسلم لتأثره من سماعه آيات القرآن ومن رؤيته أخته تتأذى « 1 » . ترى ! كم من المسلمين قادتهم إلى الإسلام تلك ( الهزة الوجدانية ) التي أحدثتها آيات القرآن الكريم الساحرة المعجزة وهي تتلى عليهم ، فتغسل ضمائرهم وتزيل رين قلوبهم ، وتعيد ألق الذكاء إلى عقولهم ، ونور اليقين إلى بصائرهم وأفئدتهم ؟ وهل بعد هذه ( الهزة ) الشاملة التي تنقل الإنسان من حال إلى حال ، تفكير ( منفعي ) محدود في أمعاء تمتلئ طعاما ، وجيوب تفيض فضة وذهبا ؟ ! ما

--> ( 1 ) محاضرات في تاريخ العرب 1 / 338 .